♦️مقال رأي// 📝بقلم : حمزة ابراهيمي
«الصحة حق ماشي امتياز»؛ شعار سياسي واجتماعي يجسد مطلب العدالة الصحية ومرافعات القوى الاجتماعية والنقابية لعلاج متاح للجميع، لا تحدده القدرة المادية أو مكان الإقامة. أما تعميم الحماية الاجتماعية وإعادة بناء المنظومة الصحية، فهو ورش ملكي مهيكل يتجاوز الولايات الحكومية، وتؤطره التوجيهات الملكية والقانونان الإطاران 09.21 و06.22 والقوانين الخمسة المكملة للثاني ونصوصها التطبيقية. ويشكل البرنامج الحكومي 2026–2031 محطة لمواصلة تنزيل التزامات الدولة، تتحمل فيها الحكومة مسؤولية التمويل والحكامة والمساءلة، ويظل معيار النجاح حق المواطن وإنصاف المهني.
وتبدأ هذه المسؤولية بتعميم التأمين الإجباري عن المرض وتحويل التغطية إلى علاج فعلي. فبحسب البرنامج، بلغت نسبة المشمولين نحو 89 في المائة سنة 2025، مع بقاء أزيد من أربعة ملايين شخص خارجها. وتتعهد الحكومة بتسجيلهم ومعالجة الحقوق المغلقة وتبسيط المساطر وتقليص آجال التعويض، ومراجعة أسعار الأدوية وتشجيع الجنيسة منها، مع تأمين الاستدامة المالية. ومن منظور اجتماعي، لا قيمة للتسجيل دون علاج ميسور للأسر، ولا لاستدامة تحمل المواطنين أعباء إضافية. ويتسع الرهان ليشمل استهداف الدعم وفق الدخل الفعلي، والرفع التدريجي لحده الأدنى من 500 إلى 1.000 درهم، وإصلاح التقاعد والتعويض عن فقدان الشغل، مع صيانة الحقوق المكتسبة والقدرة الشرائية.
وحتى تستجيب المؤسسات للطلب المتزايد، يلتزم البرنامج بتعميم المجموعات الصحية الترابية سنة 2027، وتفعيل الخرائط الصحية والهيئة العليا للصحة ووكالتي الأدوية والدم ومشتقاته، وتوضيح وظائف الوزارة والمؤسسات الجديدة. وهي هندسة تستوجب حكامة تشاركية وتقييما موضوعيا لتجربة طنجة–تطوان–الحسيمة وتصحيح اختلالاتها قبل التعميم، مع تعزيز السيادة الدوائية وسلامة الدم واللقاحات. فنجاح الإصلاح لا يقاس بتغيير الهياكل والتسميات بل بتحسن الخدمات.
وفي امتداد ذلك، تتعهد الحكومة بتأهيل 1.600 مؤسسة إضافية للرعاية الأولية و90 مستشفى، وإنجاز أربعة مراكز استشفائية جامعية، ومأسسة طبيب الأسرة والإحالة المنسقة، وتحسين الصيانة والتدبير الجهوي للأدوية. وتستدعي القراءة النقابية توفير الموارد والتخصصات والتجهيزات قبل افتتاح المؤسسات، وضمان العدالة المجالية، خصوصا في القرى والجبال. كما تشمل التعهدات إصلاح الاستقبال والمواعيد والأسرة الاستشفائية وتعميم المساعدة الطبية المستعجلة عبر الرقم 141، واعتماد الملف الطبي المشترك والتطبيب عن بعد، مع صون المعطيات وتأهيل العاملين وتوفير الوسائل. ويكتمل هذا المسار بإدماج الصحة النفسية والوقاية والتأهيل ومواكبة الشيخوخة والأمراض المزمنة والإعاقة، لتشمل الرعاية مختلف احتياجات الحياة.
ويرتبط تطوير العرض بإصلاح تمويله؛ إذ يستهدف البرنامج رفع حصة المؤسسات العمومية من نفقات التأمين إلى 50 في المائة سنة 2031، عبر مراجعة التعريفة المرجعية والفوترة المباشرة ونظام الثالث المؤدي. والغاية تخفيف التسبيق المالي عن الأسر، وتقوية جاذبية المستشفى العمومي، مع شراكة خاصة مكملة لا بديلة عن الاستثمار فيه.
وبقدر أهمية البنيات والتمويل، تبقى الكفاءات أساس الإصلاح. فالبرنامج يستهدف 35 مهنيا صحيا لكل عشرة آلاف نسمة سنة 2031، ويتعهد بتفعيل الوظيفة الصحية وتحسين الأجور والحركية والتحفيز. ويقتضي ذلك تسريع مباريات التوظيف وإدماج خريجي كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان والمعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة ومعاهد التأهيل الصحي، وإنصاف الأطباء والممرضين وتقنيي الصحة والإسعاف والنقل الصحي ومساعدي الصحة والأطر التأهيلية والإدارية والتقنية، وتوزيعهم بعدالة، مع تنظيم الجمع بين القطاعين العام والخاص واستقطاب الكفاءات بضوابط واضحة.
ومن منطلق نقابي، لا يكتمل هذا الرهان دون استكمال تنفيذ باقي مضامين محضر اتفاق 23 يوليوز 2024، مع الاعتراف بما تحقق وتسوية المتبقي من الترقيات والمستحقات وتعويضات الحراسة والإلزامية والمداومة والمخاطر والمسؤولية، وضمان شفافية منحة المردودية، واستكمال أوراش الدرجة الجديدة والهيئات المهنية ومصنف الوظائف والكفاءات. وتبقى صيانة صفة الموظف العمومي والحقوق المكتسبة والضمانات القانونية والحركية العادلة والتكوين المستمر والحماية من الاعتداءات شروطا لإنصاف المهني، ومن ثم جودة العلاج.
وتقاس مصداقية الالتزامات بآجال واعتمادات وعقود برامج ومؤشرات معلنة، وبحوار اجتماعي يشارك فيه المهنيون ونقاباتهم في التقييم والتصحيح. وفي هذا السياق تتجدد الآمال مع الوزير الجديد، بما يحمله من امتداد فكري اجتماعي ديمقراطي وتجربة تدرجت من ممارسة الطب وتكوين الأطر إلى تدبير مؤسسات صحية وطنية ساهمت في مواكبة الإصلاح، بما يعزز معرفته بحاجيات المواطنين والمهنيين، ويجعل خطواته الجادة جديرة بالدعم والمساءلة عن النتائج.
وفي أفق 2031، يظل الإنجاز الأبلغ مواطنا يعالج بكرامة، ومهنيا تصان حقوقه، ومرفقا عموميا يستجيب لحاجيات المجتمع؛ فمقياس الورش الملكي المستمر هو عدالة صحية وإنصاف مهني وحكامة مسؤولة.
التعليقات